مقال عن الحوكمة المؤسسية

الفصل بين الملكية والإدارة مسار لا قرار

January 26, 20268 min read

الفصل بين الملكية والإدارة مسار لا قرار

كيف يحمي النموذج المرحلي لإرشاد البعد الاستراتيجي للشركات العائلية؟

في كثير من الشركات العائلية، يُطرح سؤال الفصل بين الملكية والإدارة وكأنه قرار إداري بسيط:

نوقّع اليوم، وننفّذ غدًا، وتنتهي المشكلة.

لكن الواقع مختلف تمامًا.

جلسات مع مئات الشركات العائلية وببيئات عمل عربية مختلفة ما بين دول الشام والخليج والمغرب العربي، وكلّها اشتركت في نفس المفهوم الخاطئ، الذي يرى فيه أصحاب هذه الشركات أن الحل هو ( دستور العائلة ) أو ( ورقة توزيع الصلاحيات ) أو ( تشكيل مجلس الادارة ) وكأن المشكلة مستندية بحتة :)

الفصل بين الملكية والإدارة ليس زرًّا يُضغط، ولا قرارًا يُفرض، بل تحول عميق في بنية التفكير، والأدوار، والعلاقات داخل الشركة والعائلة معًا. وكل محاولة للتعامل معه كقرار صادم غالبًا ما تنتهي إما بالفشل، أو بصراعات خفية تُضعف الشركة على المدى المتوسط.

من خلال العمل مع شركات عائلية في مراحل مختلفة، يتضح أن الخطأ الأكثر شيوعًا ليس في مبدأ الفصل نفسه، بل في طريقة تطبيقه.

لماذا تفشل قرارات الفصل الصادمة؟

عندما يُفرض الفصل فجأة، تحدث مجموعة من الاختلالات، فعلى سبيل المثال لا الحصر:

• يشعر المالكون بأنهم أُقصوا عن شركة بنوها بأعمارهم.

• تشعر الإدارة الجديدة بأنها تعمل تحت شكّ دائم وتدخل غير مباشر.

• تُخلق فجوة نفسية وتنظيمية بين العائلة والإدارة بدل بناء ثقة متبادلة.

• يتضرر البعد الاستراتيجي لأن القرارات تصبح دفاعية لا طويلة المدى.

• يرى البعض أن أبناؤهم أصبحوا مجرد موظفين وبدأت صلاحية التكتّلات التي بنوها تضعف.

النتيجة؟

يُطبّق الفصل على الورق، بينما يبقى التدخل قائمًا في الواقع، وتدخل الشركة في ازدواجية مرهقة: لا هي عائلية بالكامل، ولا مؤسسية فعلًا.

تعريف نموذج رشاد للفصل المرحلي بين الملكية والإدارة

RASHAD Phased Ownership–Management Separation Model

POMS - Model

نموذج رشاد للفصل المرحلي بين الملكية والإدارة هو إطار مهني تطبيقي صُمّم لمساعدة الشركات العائلية على الانتقال من الإدارة المعتمدة على الأشخاص إلى الإدارة المؤسسية المعتمدة على النظام، من خلال مسار تدريجي يراعي نضج الشركة والعائلة معًا، دون قرارات صادمة أو إقصائية.

ينطلق النموذج من فرضية أساسية مفادها أن الإشكال في الشركات العائلية لا يكمن في وجود العائلة داخل الشركة، بل في خلط الأدوار بين الملكية والإدارة والتنفيذ، وما يترتب على ذلك من تدخلات عاطفية، قرارات قصيرة المدى، وتآكل في البعد الاستراتيجي.

يعالج نموذج رشاد هذا التحدي عبر أربع مراحل متتابعة ومتكاملة، تبدأ بالفصل الذهني للأدوار، ثم الفصل التنظيمي الجزئي، ثم الفصل المؤسسي، وصولًا إلى الفصل الاستراتيجي، بحيث يتحقق الفصل بوصفه مسار نضج مؤسسي لا قرارًا إداريًا مفاجئًا.

يهدف النموذج إلى:

• حماية الإرث العائلي دون تعطيل الاحترافية المؤسسية

• تمكين العائلة من ممارسة دورها الاستراتيجي بدل الانغماس في التشغيل اليومي

• تعزيز استقلالية الإدارة التنفيذية ضمن أطر حوكمة واضحة

• تقليل الصراعات الداخلية الناتجة عن غموض الصلاحيات

• رفع جودة القرار الاستراتيجي واستدامة الشركة عبر الأجيال

ويتميّز نموذج رشاد بكونه نموذجًا سياقيًا عربيًا، مبنيًا على خبرة تطبيقية مع مئات الشركات العائلية، ويعتمد على أدوات تشخيص وتدخل مهني ونفسي وتنظيمي متدرّج، مصمّم ليتناسب مع الخصوصية الثقافية والاجتماعية للشركات العائلية في العالم العربي.

المشكلة الحقيقية: خلط الأدوار لا وجود العائلة

من المهم توضيح نقطة جوهرية:

المشكلة في الشركات العائلية ليست في وجود العائلة، بل في غياب تعريف واضح للأدوار.

فالمالك ليس مديرًا بالضرورة، والمدير ليس صاحب قرار مطلق، والابن العامل في الشركة ليس وريثًا أثناء ساعات العمل.

حين لا تُفصل هذه الأدوار ذهنيًا وتنظيميًا، تصبح كل القرارات محمّلة بعاطفة، ويضيع التفكير الاستراتيجي بين المجاملات والشدّ والجذب.

كيف يساهم النموذج في حل المشكلة

منهجنا في هذا السياق لا يتعامل مع الفصل كحدث، بل كـ مسار متدرّج يراعي نضج الشركة والعائلة معًا.

هذا المسار يقوم على الانتقال الذكي بين المراحل، لا القفز بينها.

المرحلة صفر: التشخيص ورسم الخارطة – الأساس قبل البناء ( هوية الشركة الخاصّة )

قبل أن نبدأ رحلة التحول نحو الفصل بين الملكية والإدارة، لا بد من التوقف ورسم خارطة دقيقة للواقع الحالي. إن أي محاولة للبناء دون فهم عمق الأساسات هي مجازفة قد تؤدي إلى انهيار الهيكل بأكمله لاحقًا. لذا، يقدّم "نموذج رشاد الأعمال" مرحلة تمهيدية حاسمة تسبق الفصل الذهني، وهي مرحلة التشخيص.

وإن أي إجراء لا يناسب هوية الشركة التي تتمثل بعقلية الشركاء وتوزيع الملكية وتوزيع السلطة وطريقة الادارة والمرحلة التي تنتمي لها الشركة بين الأجيال وتوزيع القوى داخل العائلة وقوة النظام وفاعلية الادارة التنفيذية وغيرها من الجوانب التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار قبل أي إجراء.

الأهداف الرئيسية لمرحلة التشخيص:

1.تحديد درجة تداخل الأدوار: رسم خريطة واضحة للأدوار الحالية (ملكية، إدارة، عائلة)، وتحديد مناطق التداخل والازدواجية التي تسبب الارتباك وتعيق اتخاذ القرار.

2.قياس مستوى النضج المؤسسي: تقييم مدى اعتماد الشركة على الأنظمة والإجراءات مقابل اعتمادها على الأشخاص. هل القرارات تُتخذ بناءً على سياسات واضحة أم بناءً على مزاج الأفراد؟

3.تحليل أصحاب المصلحة من العائلة: فهم توقعات، طموحات، ومخاوف كل فرد من أفراد العائلة المؤثرين. من هو الداعم للتغيير؟ من هو المقاوم؟ وما هي الدوافع الحقيقية وراء مواقفهم؟

4.كشف التحديات الخفية: تحديد الصراعات غير المعلنة، ومراكز القوى غير الرسمية، والمشاكل الجذرية التي قد لا تكون ظاهرة على السطح ولكنها تؤثر بشكل مباشر على أداء الشركة واستقرارها.

الأدوات والآليات المستخدمة:

•مقابلات فردية وسرية: جلسات حوار معمقة مع كل فرد من أصحاب المصلحة الرئيسيين لضمان الحصول على معلومات صريحة وشفافة بعيدًا عن الضغوط الجماعية.

•استبيانات النضج المؤسسي (Maturity Assessment): أدوات قياس علمية لتحديد موقع الشركة على مقياس التحول من كيان عائلي إلى مؤسسة محوكمة.

•ورش عمل "خارطة الواقع": جلسات تفاعلية موجهة لرسم الهيكل التنظيمي الفعلي (De Facto) مقابل الهيكل الرسمي (De Jure).

•تحليل مصفوفة أصحاب المصلحة (Stakeholder Mapping): أداة استراتيجية لتصنيف أفراد العائلة بناءً على مدى تأثيرهم واهتمامهم بالشركة، مما يساعد في إدارة عملية التغيير بفعالية.

المخرجات المتوقعة:

يجب أن تنتهي هذه المرحلة بوجود "تقرير تشخيصي شامل" يُعتبر بمثابة حجر الأساس لرحلة التحول بأكملها. يحتوي هذا التقرير على:

•خارطة تداخل الأدوار: تصور مرئي يوضح مناطق الخلل والازدواجية في المسؤوليات.

•مؤشر النضج المؤسسي: درجة رقمية تعبر عن مدى جاهزية الشركة للتحول المؤسسي.

•ملف تعريف أصحاب المصلحة: تحليل نفسي وسلوكي لأفراد العائلة المؤثرين ودوافعهم.

•قائمة الأولويات الاستراتيجية: تحديد واضح لأهم ثلاث إلى خمس تحديات يجب معالجتها أولاً لبدء مسار الفصل بشكل صحيح.

بهذه الطريقة، لا يصبح الفصل قرارًا عشوائيًا، بل خطوة منطقية مبنية على فهم عميق ودقيق لواقع الشركة، مما يرفع بشكل كبير من فرص نجاح النموذج واستدامته على المدى الطويل.

المرحلة الأولى: الفصل الذهني

قبل أي لوائح أو مجالس، لا بد من فصل ذهني:

• متى أتحدث كمالك؟

• متى أتصرف كمدير؟

• ومتى أكون فردًا من العائلة فقط؟

في هذه المرحلة، يبدأ الوعي بأن الدور لا يُلغى، بل يُمارس في سياقه الصحيح.

وهنا يتم العمل على تغيير لغة الحوار داخل الشركة، وطريقة اتخاذ القرار، لا الهياكل بعد.

من خلال ورش عمل متخصّصة مع أصحاب الشركة من المساهمين، وكذلك مع الأجيال المختلفة وأصحاب العلاقة، وذلك بعد تحليل عميق يجعلنا أقرب لتفاصيل العائلة وأهم التحديات المتعلقة في الوعي وأكثر الأفكار الخاطئة تجذّرًا، والتي نعمل على هدمها تدريجيًا وباستخدام منهج علمي نفسي مهني مصمّم خصيصًا ليتناسب مع حالة الشركات العربية.

المرحلة الثانية: الفصل التنظيمي الجزئي

بعد نضج الفهم، يبدأ التنظيم:

• توصيف واضح للأدوار والصلاحيات.

• تمييز القرارات التشغيلية عن القرارات الاستراتيجية.

• تقليل التدخل اليومي للمالكين دون إقصائهم عن الرؤية الكبرى.

في هذه المرحلة، لا تزال العائلة حاضرة، لكنها تتدخل من خلال أطر لا من خلال الأشخاص.

ونحوّل كل المخالفات المهنيّة التي كانت تمثّل خطرًا على الشركة إلى ممارسات مأطّرة وفق تعليمات وسياسات تسمح لبعض هذه المخالفات وتلغي بعضها الآخر ضمن مراحل واضحة.

ولكن هنا المخالفة سابقًا تصبح تشريعًا وقانونًا، وهنا تتحوّل كافة الجهود لكيفية صياغة السياسات والقوانين لا لمخالفتها، وهو المطلوب في هذه المرحلة.

المرحلة الثالثة: الفصل المؤسسي

هنا تبدأ الحوكمة الفعلية:

• مجالس واضحة (إدارة – عائلة – لجان).

• تقارير دورية بدل التدخل المباشر.

• مساءلة مبنية على الأداء لا على القرابة.

الأهم أن هذا الفصل لا يقطع العلاقة، بل ينظّمها ويجعلها أكثر احترافية.

وهنا تبدأ اللجان المتخصصة بمراجعة القوانين التي تم صياغتها سابقًا وإبداء الرأي والتعديلات اللازمة لتحويلها لصالح المؤسسة لا لصالح الأفراد وبشكل متوازن وتدريجي.

وهنا نستخدم مجموعة من الأدوات والقوائم المخصّصة في منهج إرشاد والتي تساعد في وضع وصياغة أسس الحوكمة بطريقة صحيّة تتناسب وهوية المؤسسة.

المرحلة الرابعة: الفصل الاستراتيجي

في هذه المرحلة، يتحرر التفكير الاستراتيجي:

• العائلة تركز على الرؤية، الاستدامة، وتوجيه المستقبل.

• الإدارة تركز على التنفيذ، الأداء، وتحقيق النتائج.

• القرارات الاستراتيجية تُناقش بهدوء، لا تحت ضغط اليوميات.

وهنا فقط، تتحول الشركة العائلية من شركة تُدار بالأشخاص إلى مؤسسة تُدار بالنظام.

وهذه المرحلة تتم عبر مجموعة من الخطوات المدروسة والتي تبني استراتيجية المؤسسة وخطتها وأدواتها ومكوّناتها الاستراتيجية بشكل دقيق، ينساب من هرم المؤسسة إلى القاعدة والعكس بطريقة مدروسة تضمن التناغم الخلاق والبناء الاستراتيجي السليم.

الأثر الاستراتيجي للفصل المرحلي

عندما يُطبّق الفصل كمسار، تظهر نتائجه بوضوح على الاستراتيجية:

• قرارات أطول أمدًا وأقل انفعالية.

• قدرة أعلى على التوسع والدخول في شراكات.

• وضوح في المسؤوليات يقلل النزاعات الداخلية.

• ثقة أكبر من السوق، والمستثمرين، والكوادر القيادية.

• الأهم من ذلك، أن العائلة نفسها تستعيد دورها الحقيقي:

صاحبة رؤية لا غرفة عمليات.

وكما أقول دائمًا: ضغط وسكري وجلطات أقل، حمانا الله وإياكم.

ما الذي يميّز هذا النموذج عن الحلول التقليدية؟

الحلول الجاهزة تطلب من العائلة الانسحاب.

أما نموذج إرشاد فيطلب منها الانتقال الواعي.

هو لا يفصل العائلة عن الشركة، بل يفصل:

• العاطفة عن القرار.

• الملكية عن التشغيل.

• الإرث عن الإدارة اليومية.

وبهذا، لا يخسر أحد، بل ينضج الجميع.

الخلاصة

الفصل بين الملكية والإدارة ليس قرارًا يُتخذ في اجتماع، بل رحلة تُدار بحكمة.

وأي شركة عائلية تتعامل معه كقرار صادم، غالبًا ما تدفع ثمنه استراتيجيًا وإن بدا ناجحًا مؤقتًا.

منهج رشاد الأعمال، والذي صممناه في إرشاد لتطوير الأعمال من خلال خبرتنا مع مئات الشركات العائلية، هو ما يحوّل الفصل من تهديد إلى فرصة، ومن صراع أدوار إلى نضج مؤسسي يحمي الشركة والعائلة معًا.

في حال كان لديك أي استفسار أو تحتاج أي مساعدة في ( التطوير المؤسسي )،

راسلنا على الحساب أو على

00962790908191

Back to Blog

Copyrights 2025| Terms & Conditions